تأثرت صناعة مواد البناء في مصر خلال السنوات الثلاث الماضية بتراجع قيمة العملة، قبل أن تبدأ في الاستقرار تدريجيًا، وهو ما دفع المصنعين والمستهلكين إلى إعادة احتساب التكاليف باستمرار في قطاعات الحمامات والمطابخ والتدفئة والتهوية وتكييف الهواء، بدءًا من الضواغط النحاسية والمكونات المستوردة وصولًا إلى الغاز الصناعي المستخدم في حرق السيراميك، وقال كاجال، من فريق أبحاث بي آر جي، إن المنتجات الأكثر اعتمادًا على المكونات المستوردة والعمليات كثيفة استهلاك الطاقة لا تزال تواجه أكبر ضغوط الأسعار، رغم ارتفاع الإنتاج المحلي الذي ساهم في الحد من بعض هذه التأثيرات.
وخلال السنوات الثلاث الماضية، تأثرت صناعة مواد البناء المصرية بتقلبات اقتصادية واسعة، ولا سيما تراجع قيمة الجنيه المصري ثم استقراره نسبيًا. وأدى ذلك إلى استمرار الضغوط على تكاليف التصنيع والشراء في قطاعات منتجات الحمامات والمطابخ ومعدات التدفئة والتهوية وتكييف الهواء. ويناقش التقرير المجالات التي بدأت هذه الضغوط فيها بالتراجع، وتلك التي لا تزال تواجه تحديات، وما ينبغي على الموردين والمشترين أخذه في الاعتبار مع اقتراب عام 2027.
الجنيه وتكاليف مواد البناء في مصر
منذ عام 2022، ارتبطت قصة صناعة مواد البناء المصرية بدرجة كبيرة بأداء العملة. فقد سمحت الحكومة للجنيه المصري بالتعويم الحر بعد سلسلة من خفض قيمته بين عامي 2022 و2024، استجابة للتداعيات الاقتصادية للحرب الروسية الأوكرانية. وخلال تلك الفترة، فقد الجنيه معظم قيمته أمام الدولار.
وشكلت صفقة الاستثمار الإماراتية في رأس الحكمة مطلع عام 2024، إلى جانب حزمة إنقاذ أكبر من صندوق النقد الدولي، نقطة تحول ساعدت على تعزيز السيولة ومنع تفاقم الأزمة الاقتصادية.
وبحلول منتصف عام 2026، تراجع التضخم العام من ذروته التي سجلها عام 2023 إلى مستويات منخفضة من خانة العشرات، بينما أوقف البنك المركزي دورة رفع أسعار الفائدة بعد فترة طويلة من التشديد النقدي، في إشارة إلى انتقال الاقتصاد من ضغوط حادة إلى قدر أكبر من الاستقرار.
لكن ارتفاع أسعار الإيجارات والكهرباء والغاز والوقود أبقى مكون السكن والمرافق داخل التضخم عند مستويات أعلى بكثير من معدل التضخم العام. وبالنسبة إلى مصنعي وتجار مواد البناء، فإن هذا «التباطؤ التضخمي» يعني ببساطة أن الأسعار لا تزال ترتفع، ولكن بوتيرة أبطأ مما كانت عليه سابقًا.
وتتمتع مصر بصناعة قوية للسيراميك، وهو ما ساعد على تخفيف أثر تقلبات العملة. وتتيح وفرة خامات الكاولين والفلسبار والكوارتز محليًا للمصنعين إنتاج الأدوات الصحية، مثل المراحيض وأحواض الغسيل وأحواض الاستحمام، اعتمادًا بدرجة كبيرة على المواد الخام المحلية، ما يمنحهم ميزة في التكلفة مقارنة بالشركات الأكثر اعتمادًا على الواردات.
ولسنوات طويلة، أنتجت شركات مثل «إيديال ستاندرد» و«ليسيكو» و«سوبيك» الأدوات الصحية والخلاطات محليًا.
ورغم تحسن الظروف الاقتصادية الكلية، لا يزال المصنعون يواجهون قيدين رئيسيين على التكاليف. أولهما ارتفاع تكلفة تحديث أو استبدال التكنولوجيا المستوردة، مثل الطابعات الألمانية وخطوط التزجيج الإسبانية والمكابس الإيطالية، بسبب تسعيرها بالعملات الأجنبية.
أما العامل الثاني، وربما الأكثر أهمية، فيتعلق بارتفاع أسعار الطاقة مع مواصلة الحكومة تقليص دعم الوقود والغاز الصناعي في إطار برنامج صندوق النقد الدولي. وأدت زيادات أسعار الغاز الصناعي خلال عامي 2025 و2026 إلى رفع تكاليف التصنيع بدرجة كبيرة، خصوصًا أن الغاز الطبيعي يستخدم في الأفران الخاصة بإنتاج الأدوات الصحية والسيراميك. وحذرت قيادات القطاع من زيادات إضافية قد تنعكس على المستهلكين.
منتجات الحمامات والمطابخ والتكييف تحت ضغط الطاقة والواردات
تختلف الصورة قليلًا بالنسبة إلى الخلاطات. فمدخلات النحاس والنحاس الأصفر والطلاء بالكروم تعتمد على الواردات وترتبط أسعارها بالدولار، بينما تُصنع الخلاطات والصنابير النحاسية محليًا.
وبحلول نهاية عام 2025، ارتفعت أسعار النحاس إلى مستويات قياسية جديدة، وهو ما انعكس سريعًا على أسعار الخلاطات والصنابير. وظهرت اتجاهات مماثلة في أحواض المطابخ، التي تُصنع في الغالب من الفولاذ المقاوم للصدأ المستورد. واضطر منتجو الصلب المحليون إلى رفع أسعارهم خلال أواخر عام 2025 نتيجة ارتفاع تكاليف الصلب ورسوم الحماية المفروضة على منتجات الصلب المستوردة.
وبذلك انقسم سوق الحمامات والمطابخ إلى مسارين واضحين؛ فقد حافظت الأدوات الصحية المصنوعة من السيراميك المحلي على قدر نسبي من الحماية بفضل اعتمادها على المواد الخام المحلية، بينما ظلت المنتجات كثيفة الاستخدام للمعادن، مثل الصنابير والخلاطات والأحواض المصنوعة من الفولاذ المقاوم للصدأ، أكثر تعرضًا لتقلبات أسعار العملات والسلع الأساسية.
وتظهر المفارقة في صناعة مواد البناء المصرية بوضوح في قطاع تكييف الهواء. إذ تمتلك مصر واحدة من أكبر قواعد تصنيع أجهزة التكييف في المنطقة، مع وجود علامات كبرى مثل «العربي» و«تورنيدو» و«شارب» و«كاريير» عبر شركة «ميراكو»، إلى جانب «يونيون إير» و«فريش» و«ميديا»، وجميعها تنفذ عمليات تجميع محليًا.
لكن أهم المكونات، مثل الضواغط ولوحات الدوائر المطبوعة وغازات التبريد، لا تزال مستوردة ومسعرة بالدولار، ما أبقى أسعار البيع بالتجزئة في مسار صاعد.
ورفعت أسعار أجهزة التكييف على عدة مراحل خلال صيف 2025 وحتى عام 2026، مدفوعة بتأثيرات سعر الصرف وارتفاع تكلفة النحاس وزيادة نفقات الشحن والتأمين. كما أدى ارتفاع أسعار النحاس في أواخر عام 2025 إلى زيادة تكاليف تصنيع أجهزة التكييف، ما أضاف ضغوطًا جديدة على أسعار البيع للمستهلكين.
وزادت تكلفة تقنيات العاكس «إنفرتر» وتقنيات كفاءة الطاقة من الضغوط السعرية، مع استمرار استيراد الضواغط المتطورة ووحدات التحكم. وتفاقمت هذه الضغوط مع فرض رسوم حماية على الصلب في سبتمبر 2025، خصوصًا أن جزءًا كبيرًا من الصفائح المعدنية المستخدمة في تصنيع الأجهزة لا يُنتج محليًا، في حين رفعت زيادات أسعار الغاز الصناعي خلال الفترة نفسها تكاليف الطاقة عبر سلسلة التصنيع.
وأصبحت زيادة التصنيع المحلي أبرز استجابة للقطاع لهذه الضغوط. وشكلت شراكة «العربي» عام 2022 مع شركة «ريتشي بريسيشن» التايوانية لإنشاء مصنع محلي للضواغط في بني سويف محاولة مباشرة لتوطين أحد أكثر المكونات اعتمادًا على الاستيراد، وأصبح المصنع يعمل حاليًا ضمن مجمع التصنيع الأوسع للمجموعة في المنطقة.
وأعلنت «يونيون إير» في ديسمبر 2024 خطة توسع تمتد لعدة سنوات، تشمل إنشاء مصنع جديد بقيمة 6 مليارات جنيه مصري، يتوقع أن يصبح أكبر مصنع للأجهزة المنزلية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، بدعم استثمارات تتراوح بين 200 و300 مليون دولار حتى عام 2028.
ويتجه المصنعون في القطاع تدريجيًا أيضًا إلى استخدام غازات تبريد أقل تأثيرًا على البيئة، بما يتوافق مع أهداف كفاءة الطاقة والتطور المستمر للمتطلبات التنظيمية.
وتقف سخانات الغاز والكهرباء التقليدية وسخانات المياه بالطاقة الشمسية عند نقطة تحول مهمة. فالسخانات التقليدية تواجه، مثل بقية قطاع التدفئة والتهوية وتكييف الهواء، ضغوط ارتفاع أسعار الصلب والطاقة، بينما تتأثر المكونات المستوردة، مثل وحدات التحكم وعناصر التسخين، مباشرة بتقلبات سعر الصرف.
في المقابل، تستفيد سخانات المياه بالطاقة الشمسية من اتجاه داعم قوي. ومع ارتفاع تعريفات الكهرباء والغاز في إطار إصلاح منظومة الدعم، أصبحت الجدوى الاقتصادية لاسترداد تكلفة الاستثمار في الطاقة الشمسية أكثر جاذبية للأسر والمطورين على حد سواء. ويُعد التسخين بالطاقة الشمسية واحدًا من الفئات القليلة جدًا التي يدفع فيها الضغط الاقتصادي نحو زيادة الطلب بدلًا من تراجعه.
استقرار سوق مواد البناء يقترب لكن الضغوط لم تنتهِ
ينتقل سوق مواد البناء في مصر من مرحلة الأزمة إلى بيئة أكثر استقرارًا، وإن كانت تكاليفها لا تزال مرتفعة. ومن المتوقع أن يساهم استقرار الجنيه المصري نسبيًا في تخفيف الضغوط المرتبطة بسعر الصرف، بينما يرجح استمرار ارتفاع تكاليف الطاقة المستخدمة في صناعة السيراميك والأدوات الصحية مع مواصلة إصلاحات الدعم.
وينبغي للمشترين والموردين تفضيل الإنتاج المحلي كلما أمكن، وإدراج بنود تسمح بتعديل الأسعار عند اضطرارهم إلى الاعتماد على الواردات، ومتابعة سعر الصرف وسياسات الطاقة عن كثب، باعتبارهما العاملين الرئيسيين اللذين سيحددان ما إذا كانت مرحلة التكيف الحالية ستقود أخيرًا إلى استقرار اقتصادي مستدام في سوق مواد البناء المصرية مع اقتراب عام 2027.
https://news.brgbuildingsolutions.com/post/how-economic-pressure-is-affecting-building-products-prices-in-egypt

